صمت الحملان... فى قضية إدارة الإنترنت !!
...................

الكاتب الصحفى جمال محمد غيطاس ॥ هو كاتب متخصص بجريدة الأهرام ، والمشرف على صفحة ( لغة العصر ) – كل ثلاثاء .. وهى صفحة تتناول أخبار الكمبيوتر ، والشبكة العنكبوتية .. وخدمات للقارىء فى هذا المجال .. وفى الثلاثاء 13 فبراير كتب جمال محمد غيطاس مقالة فى غاية الأهمية ، ومن غير الممكن أن تمر علينا هكذا دون أستيعابها والتأمل فيها .. بشرط قراءتها بعناية فائقة لأنها شديدة الأهمية برغم عدم أهتمام أى من الحكومات العربية بها .. ولكنها مستقبلا ستضع رقابنا تحت المقصلة الأمريكية .. فقط أقرأوا المقال بتمعن من فضلكم ..!!
صمت الحملان في قضية إدارة الإنترنتاعتادت بلادنا علي أن تستيقظ فتصطدم بأنباء أسعار تنفلت أو سفينة تغرق أو قطار يحترق أو محصول ينهار أو عدوي مرضية تنتشر بين الطيور والبشر أو فساد يستشري أو احتكارات تستأسد, لكن النصف الثاني من الأسبوع الماضي كان جديدا في أعبائه وأزماته التي كتب علي المصريين حملها علي ظهورهم, فقد استيقظت البلاد علي أنباء شبكة تسقط وكابلات تنقطعوما تبع ذلك من ارتباك وشكاوي وإزعاج شديد انتشر بين أكثر من ثمانية ملايين مواطن مرتبطين بالإنترنت بدرجات تبدأ من مجرد التصفح وتنتهي بالاندماج العضوي بين إتاحة الشبكة وخدماتها والقدرة علي ممارسة العمل والإنتاج والحياة, وفي قلب هذه الأزمة الجديدة علي المجتمع كانت هناك دلالات تستحق وقفة...
ما يلفت النظر في الأزمة هو رد الفعل المجتمعي تجاه حالة الشلل التي أصابت الإنترنت, فقد كان ردا عريض النطاق صدر عن فئات متنوعة من المجتمع شملت مهنيين وأصحاب حرف وطلاب وقطاع منزلي وحكومي وقطاع أعمال وغيرها, ويشهد علي ذلك مظاهر الاستياء والغضب التي تجسدت في آلاف الشكاوي تلقاها جهاز حماية المستهلك وجهاز تنظيم الاتصالات وأجهزة الإعلام فضلا عن ثورة الغضب التي شهدتها المنتديات والمدونات التي قدر لها مواصلة العمل, وعبرت عن حالة لا يستهان بها من الارتباك في ممارسة الأعمال لدي الجميع।رد الفعل هذا يؤكد أن وجود الإنترنت بالبلاد لم يعد للدردشة وممارسة الألعاب والهوس بالجنس علي الشبكة كما تلح علي ذلك الصورة النمطية السائدة منذ فترة, ولكنه وجود قطع خطوات لا يمكن تجاهلها صوب الاندماج والتلاحم مع المتطلبات والمقتضيات الحيوية لبيئة العمل والإنتاج, ومن ثم بات علي الجميع أن يدرك أننا أمام مرفق إنتاجي يتعين الانتباه إليه وتأمين إتاحته واستمراريته في العمل وليس مجرد شبكة تعمل كوسيط نميمة وترفيه وتطرف في مطالعة الجنس, وإذا كانت وزارة الكهرباء تسهر من أجل تأمين وصول التيار ووزارة البترول مهمتها وصول إمدادات الغاز والوقود ووزارات وهيئات أخري تؤمن وصول الماء, فإن تأمين وصول الإنترنت أصبح علي القدر نفسه من الأهمية بالنسبة لحياة الناس وحركة الاقتصاد الوطني وقدرته علي الأداء.دلالة ذلك أن تغلغل الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات في جنبات ومفاصل المجتمع يبدو أكثر عمقا وأكبر اتساعا واختلافا عما تشير إليه أو تصوره التقديرات المعلنة أو المتوافرة حاليا لدي الجهات المعنية سواء في وزارة الاتصالات أو مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أو الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أو الشركات والقطاع الخاص أو غيرها, بعبارة أخري هناك فجوة إحصائية ومعرفة واضحة فيما يتعلق برصد التأثير الاجتماعي والاقتصادي الذي أحدثته جهود نشر الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات بمجتمعنا خلال السنوات السبع الأخيرة, ولذلك فالأزمة تكشف عن الحاجة الملحة لوجود نظام وطني متكامل للإحصاءات ومؤشرات القياس في مجال تكنولوجيا المعلومات, يوفر إجابات حية ومتجددة عن الأسئلة التي تشكل هذه الفجوة ومنها علي سبيل المثال لا الحصر: ما هي معدلات الانتشار الحالية لهذه التكنولوجيا بالمجتمع وأشكالها, وما مدي الاستفادة منها فعليا؟ وما هي أنماط هذه الاستفادة, وما مدي التأثير الحالي لهذه التكنولوجيا علي المجتمع اقتصاديا وتعليميا واجتماعيا؟॥ وأيضا: ماذا يريد المجتمع من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مستقبلا؟ وما هي المشكلات التي يمكن التفكير في حلها والطموحات التي يمكن تحقيقها بمساعدة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؟ وما هو الوقت المناسب لتنفيذ ذلك وكيف؟.وفي تصوري أن توفير إجابات شافية وواقعية عن هذه الأسئلة سيضع أمام الدولة ـ لا الحكومة فقط ـ صورة واقعية لأوضاع الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات بالبلاد كمرفق إنتاجي تنموي حيوي له اعتباره, ومن ثم تتخذ القرارات المتعلقة به وفق هذا القدر من الأهمية, وليس باعتباره أمرا ثانويا أو أحد مقتضيات الموضة التنموية وكفي كما هو حاصل الآن.يقودنا هذا الأمر إلي نقطة ثانية وهي أسلوب إدارة الأزمة, فقد كشف أداء وزير الاتصالات والفريق الذي شكله عن سرعة في التحرك والإمساك بدفة الأمور دون أن تفقده فجائية الحدث وضخامته القدرة علي التركيز واتخاذ مبادرات للحل, ويدل علي ذلك أن الفارق الزمني بين الشلل شبه التام الذي حدث بالخدمة وبدء عودتها تدريجيا كان ساعات, وصحيح أن العودة كانت بطيئة لكنها دلت علي أن هناك جهدا مؤسسيا يبذل ويؤتي ثماره, وإذا قارنا معدل العودة في مستوي التشغيل وتحسن الخدمة في مصر مع بعض دول الخليج سنلاحظ أن أداء فريق وزارة الاتصالات كان علي قدم المساواة بل وتقدم علي أداء وزارات أخري بالدول الشقيقة في الحصول علي سعات بديلة وتحويل المسارات نحو الشرق, ففي حين كانت معدلات التحسن ترتفع كل يوم في مصر أعلن بعض مسئولي الخليج عن أن الوضع لن يبدأ التحسن لديهم قبل عدة أيام, وحقق الجانب المصري هذه النتيجة علي الرغم من أن كل دول المنطقة دخلت في سباق محموم بحثا عن مسارات بديلة وكان عامل السعر والقدرة المادية حاسما في توفير البدائل. تتسع دلالات الأزمة لتتجاوز سرعة التطويق إلي منهج الوقاية, فحسب ما فهمته من بعض خبراء الاتصالات وكتبته بالأهرام صباح السبت الماضي فإن وزارة الاتصالات صممت استراتيجيتها للاتصال الخارجي بالإنترنت استنادا إلي التحليلات الواقعية المعتادة عالميا والتي تفترض أنه في الأغلب سيتعطل كابل واحد وليس كابلان من الكوابل البحرية الرئيسية, ولذلك قامت أجهزة الوزارة المعنية ـ المصرية للاتصالات ومرفق تنظيم الاتصالات والشركات ـ بتوزيع المسارات الاحتياطية والإضافية للربط الدولي علي الكابلين معا, كما اختارت عروضا سعرية وفنية تركز علي الأسعار المعقولة مقابل التخفف نسبيا من الحصول علي مزايا أخري مكلفة في الاتصال, من بينها تحمل الجهة المالكة للكابل مسئولية توفير مسارات بديلة لمصر وفي وقت مناسب عند حدوث عطل بالكوابل, وقد اختارت الوزارة هذا البديل باعتبار أنه في حالة تعطل كابل فإن الآخر يستطيع تحمل عبء الخدمة لحين إصلاح الآخر دون مشكلات, وهو السيناريو الذي حدث حينما وقع زلزال الجزائر منذ فترة وأدي إلي انهيار أحد الكابلين بينما استمر الآخر في العمل ومن ثم لم تتأثر خدمة الإنترنت في مصر بشكل كبير واستمرت تعمل, لكن ما حدث هذه المرة أن الكابلين تعطلا معا ففقدت مصر المسارات الاحتياطية والإضافية معا مما جعل الأزمة عنيفة بكل المقاييس.وفي تقديري أن هذه الرؤية ـ علي واقعيتها ـ تحتاج إلي إعادة مناقشة في ضوء الأزمة الأخيرة, لأن تكلفة توفير المسارات البديلة وقت الأزمة والخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تكبدها الأفراد والمؤسسات نتيجة الانقطاع كانت في الأغلب أعلي كثيرا من الوفر الذي تحقق من وراء الأخذ بالعروض الأقل سعرا التي لا تضمن توفير المسارات بديلة وقت الأزمات, وهنا نحن لا نستطيع إعفاء هذه الرؤية من بعض المسئولية عما يجري حتي وإن كان العطل ناشئا عن عوامل طبيعية أو حادثة غير متوقعة.لقد راجعت خريطة عام2008 لتوزيع الكابلات البحرية الناقلة لحركة الاتصالات والمعلومات حول العالم, ولاحظت أن عدد الكابلات البحرية العالمية المارة عبر أراضينا ونتقاضي عنها رسوما قليلة للغاية مقارنة بما يتيحه الوضع الجغرافي المتميز لمصر من إمكانات في هذا الصدد, والواضح أننا لم نستفد حتي الآن كما يجب من الاستثمارات الهائلة والعائدات الضخمة لهذه الصناعة عالميا, ولم ننجح في تحويل موقعنا الجغرافي إلي مصدر للدخل القومي عبر جذب المزيد من الكابلات البحرية العالمية للمرور من خلاله وتقاضي رسوم عبور طبقا للمعدلات العالمية, وهذه نقطة إضافية تبرر إعادة مناقشة الرؤية التي تتبعها الوزارة حاليا والتفكير في استراتيجية جديدة يتكامل فيها جذب الكابلات البحرية للمرور عبر الأراضي المصرية وعوائدها مع الخطط الخاصة بالربط الدولي وبدائله وتكلفته وأسعاره, وهذه قضية سأعود لها مستقبلا بشيء من التفصيل.من الدلالات الأخري للأزمة أنه يوجد علي رأس بعض مؤسسات الجهاز المالي والمصرفي بالدولة من لا يزال يخاف الإنترنت ولا يملك جرأة الاعتماد عليها والتعامل مع تحدياتها, علي الرغم من أن هذا القطاع يفترض ـ كما هو سائد عالميا ـ أنه الأكثر ارتباطا واعتمادا علي الشبكة وخدماتها, فقد أدلي بعض مسئولي المؤسسات والهيئات المالية والمصرفية بتصريحات حول الأزمة نفوا فيها بشكل قاطع أن تكون مؤسساتهم قد تأثرت بما حدث, وكان أبرز تأثير في هذا الصدد هو تصريح ماجد شوقي رئيس البورصة الذي خرج علي الملأ لينفي عن نفسه وعن البورصة شبهة( الاعتماد علي الإنترنت) وكذلك الحال مع بعض مسئولي البنوك.كان المتوقع أن مؤسسة كالبورصة أو البنوك أو شركات التداول الإلكتروني حينما تخرج لتؤكد للجماهير أنها لم تتأثر بانقطاع الإنترنت تعلن في الوقت نفسه أن سلامتها تعود إلي أنها تتصل بالإنترنت عبر مسارات بديلة غير التي تعطلت, أو لأن لديها خطط طواريء نفذتها علي الفور وضمنت لأعمالها الاستمرار بسلاسة, أو تعترف بشجاعة أن لديها تأثيرات سلبية كما فعلت المؤسسات المماثلة بدبي والسعودية والكويت, أما أن تأتي التصريحات أقرب إلي التباهي بأن أعمالها لا علاقة لها بالإنترنت وبأنها لا تعتمد علي الإنترنت كلية فهذا كلام مؤسف يدل علي أن قائليه إما يغالطون أو يكابرون أو يعيشون خارج الزمن ويتخلفون بسرعة للوراء, وأفضل وصف لمثل هذه التصريحات العقيمة جاء في الكلمة القصيرة التي كتبها الزميل الأستاذ محمد عمر في أخبار اليوم السبت الماضي وجاء فيهاالبعض يقول: مصر لم تتأثر بالزلزال ـ مصر لم تتأثر بأنفلونزا الطيور ـ مصر لم تتأثر بقرار البرلمان الأوروبي ـ مصر لم تتأثر بمشكلة الإنترنت... هي مصر ما بتحسش؟.. صدقت. لا أستطيع أن أخفي اندهاشي الشديد من المفارقة الصارخة بين ردود الفعل التي حدثت رسميا وشعبيا وكانت أقرب إلي الانتفاضة حينما تعرضت كابلات الإنترنت للانقطاع لبضعة أيام, وبين حالة الصمت المطبق وعدم الاكتراث والموات رسميا وشعبيا وقوميا حيال قضية تجديد اتفاقية إدارة الإنترنت عالميا التي تتتابع فصولها الآن في توقيت يتزامن مع قطع الكابلات, إذ كيف ننتفض ونصرخ جميعا حينما ينقطع الاتصال بالشبكة لبضعة أيام, وفي الوقت نفسه لا نكترث مطلقا ونؤثر الصمت واللامبالاة حيال الطريقة أو النظام الذي تدار به الشبكة ويؤثر حتما علي مصالحنا وثقافتنا ووجودنا علي المدي الطويل؟ هل هذه شيزوفرينيا أم قصر نظر أم تلذذ بالسير تحت ظلال عقل وثقافة الأجنبي؟ أم تحلل مما هو وطني وقومي مقابل الهرولة والانبطاح والتسليم بالقدر الأمريكي والغربي في كل شيء؟ أم انتهي بنا الأمر كمصريين وعرب إلي حالة صمت الحملان أو الحملان الصامتة التي ترعي الكلأ في سكون قاتل ثم تقف بعد امتلاء بطونها في حالة أشد صمتا وسكونا لا فرق فيها بين الحياة والموت سوي خروج ودخول الأنفاس من وإلي الصدور؟هناك عدة أسباب تدعونا للدهشة والانزعاج, الأول أنه من المعروف لجميع المعنيين بالجهات الرسمية والخاصة العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والإنترنت ـ وربما لشريحة واسعة من المهتمين بقضايا الإنترنت بالمجتمع المدني ـ أن فبراير ومارس2008 هما موعد مراجعة الإطار القانوني المنظم لآليات إدارة الشبكة بين وزارة التجارة الأمريكية ومؤسسة الآيكان ـ مؤسسة الإنترنت لتنظيم الأسماء والأرقام ـ التي أسندت إليها الحكومة الأمريكية منذ سنوات الاضطلاع بتسيير أمور الشبكة العالمية, وهو موعد استعد له الكثيرون بالعالم شرقا وغربا وبدأوا يدلون برأيهم ويضغطون من أجل حماية مصالحهم وثقافتهم ووجودهم علي الشبكة الدولية ويناضلون مجددا من أجل الحصول علي حقوق عادلة في إدارة الشبكة, وقد توقعت أن يثير هذا الأمر اهتمام أحد بالعالم العربي ـ ومصر بشكل خاص ـ فلم أجد, وخيم علي المنطقة برمتها حالة صمت الحملان الرهيبة حيال القضية, فلم يذكرها أحد بكلمة حتي اللجان التي تم انشاؤها تحت مظلة الجامعة العربية.السبب الثاني أن مؤسسة الآيكان ووزارة التجارة الأمريكية فتحتا المجال منذ أسابيع ـ عبر موقعيهما ـ أمام جماهير الإنترنت ومستخدميها والمعنيين بأمورها حول العالم للإدلاء برأيهم والتقدم بمطالبهم ومقترحاتهم في هذا الشأن, وبدأت الجهات المعنية رسمية وغير رسمية في العالم تعلن لمستخدمي الشبكة عن هذا الأمر وتحثهم علي المشاركة بالرأي, بينما مؤسساتنا الرسمية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني تغط في نوم عميق غير مكترثة بالأمر, وبالتالي لم نجد جهة تأخذ زمام المبادرة وتقود تحركا من أي نوع يرفع صوتنا ويعبر عن مصالحنا ضمن جماهير العالم المختلفة حيال القضية ولو علي طريقة ذر الرمال في العيون.والسبب الثالث أن رئيس منظمة الآيكان نفسه جاء إلي القاهرة الأسبوع قبل الماضي حاملا معه تفاصيل القضايا الساخنة والشائكة المتعلقة بهذه القضية وغيرها من المسائل الأخري علي أجندة الآيكان, ومكث الرجل بضعة أيام ثم مضي دون أن ينبس أحد ببنت شفة أو كلمة واحدة علنا عن دور أو رأي أو مطلب أو نشاط لمصر أو للعرب في القضية أو مشاركة من أي نوع في تقرير مصير الاتفاق الجاري التفاوض بشأنه بين الآيكان والحكومة الأمريكية.ومادامت الأمور تسير علي هذا النحو من الصمت المطبق فليس أمامي سوي العودة إلي استعراض القضية من الصفر ولو في عجالة سريعة, عسي أن يكون في ذلك توضيحا لها ولأبعادها.كما هو معروف فان الإنترنت بدأت كشبكة صغيرة داخل وزارة الدفاع الامريكية في نهاية ستينيات القرن الماضي ثم تطورت وكبرت شئيا فشيئا حتي أصبحت شبكة تخدم مجتمع البحث العلمي الأمريكي, ثم جري فتحها أمام الاستخدام التجاري والجماهيري العام فأصبحت اليوم شبكة شديدة الاتساع تضم بداخلها آلاف الشبكات الفرعية وملايين الحاسبات المختلفة الأنواع والأحجام والمتنوعة في الوظائف, والمنتشرة في معظم دول العالم, وتنخرط جميع هذه الحاسبات والشبكات في تفاعلات متصلة فيما بينها علي شكل تبادل للرسائل والملفات والصور والبيانات وغيرها.وعبر المراحل المختلفة لتطور الشبكة كان لابد أن تكون هناك قواعد تنظم العلاقات فيما بين الحاسبات المشتركة فيها, بما يضمن انسياب سهل ومنظم وصحيح للمعلومات والبيانات بين الجميع, ليتحقق الغرض الأساسي من الشبكة كوسيلة فعالة للتواصل بين البشر الذين يستخدمون هذه الحاسبات.وتنظيم العلاقات علي الشبكة له العديد من المتطلبات, لعل في مقدمتها أن يكون لكل حاسب داخل الإنترنت بطاقة هوية تعرف شخصيته وتحدد محل إقامته بدقة, وتكون هناك طريقة أو لغه متفق عليها, تستخدم عند إرسال أو استقبال الرسائل والبيانات, ويستطيع أي حاسب أو شبكه فهمها والتعامل معها, ولتلبية هذه المتطلبات تمت ترجمة بطاقات الهوية ومحل الإقامة إلي نظامين مرتبطين ببعضهما البعض, الاول يعرف باسم نظام تحديد العناوين الرقمية ومستخدمي الشبكة ويطلق عليهIPAddress ويتكون من مجموعات من الأرقام المركبه مثل127.1.289.128 يتم ترتيبها في مستويات مختلفة لتحدد علي نحو دقيق مكان الحاسب جغرافيا ووظيفته وهويته علي الشبكه, وعن طريق هذا الرقم الذي لا يتكرر يستطيع أي حاسب أن يتصل بأي حاسب آخر علي الشبكة بلا مشكلات.بيد ان هذا النظام يعمل دائما في الخلفيه ولا يحس به المستخدم العادي أو المتعامل مع الشبكه, فالمستخدم عاده ما يبحث عن عناوين أو أسماء مواقع ومقار معينه علي الشبكة, فهو مثلا يبحث عن موقع جريدة الأهرام بعنوانها المعروفwww.ahram.org.eg, ولا يبحث عن الاسم الرقمي للحاسب المخزن عليه الموقع بمبني الأهرام, لذلك كان لابد من وجود نظام ثان لتنظيم عملية وضع أسماء المواقع والمقار المختلفة علي الشبكة وكان لابد من وجود جهة تسجل هذه الأسماء بقواعد معينة ضمانا لعدم التكرار, وتصنيف المواقع إلي فئات مختلفة حكومية وتجارية ومواقع شبكات وغيرها, ومن هنا نشأ النظام المعروف باسم نظام تحديد أسماء عناوين المواقع علي الشبكةdomainnames, ويقوم هذا النظام بالربط بين هوية الحاسب الرقمية واسم الموقع أو الصفحة التي يحملها, فإذا ما طلب مستخدم الشبكة اسم موقع معين يقوم بتحويله إلي الاسم الرقمي للحاسب المخزن عليه الموقع بسهولة.تبقي بعد ذلك مسألة اللغة التي تتحدث بها الحاسبات علي الشبكة, وهذه ترجمت إلي نظام يعرف ببروتوكولات الاتصال علي الشبكة, وهي مجموعه من التعليمات أو المفاهيم التي تساعد علي تبادل البيانات بين الحاسبات الإلكترونية المكونة للشبكة وتنظيم عمليات الاتصال وخطوط الربطAssignmentparameterProtocol.وفي بدايات الإنترنت الأولي كانت وزارة الدفاع الأمريكية تقوم بهذه المسئوليات جميعا, ثم نقلت هذه المسئوليات إلي وزارة التجارة الأمريكية عقب فتح الشبكة للاستخدام العام, ومع مرور الوقت والتوسع الكبير في الشبكة وامتدادها عالميا لم تعد وزارة التجارة الأمريكية وحدها المسئولة عن هذه المهام بل تشكلت ثلاث مؤسسات قطاع خاص تعمل بشكل تطوعي غير هادف إلي الربح علي المستوي الدولي بتنسيق مع وزارة التجارة الأمريكية بينما ظلت الكلمة الأخيرة للوزارة, المنظمة الأولي سميت منظمة دعم العناوين الرقمية, والثانية منظمة دعم أسماء المواقع, والثالثة منظمة دعم بروتوكولات الاتصال, كما نشأت العديد من الشركات والجهات التي تقوم بتسجيل أسماء المواقع, تركز اغلبها في الولايات المتحدة, وفي وقت لاحق أنشيء نظام رابع سمي الحاسبات الخادمة الجذرية أو الأمrootservers ليكون مسئولا عن تحديد مواصفات الحاسبات المستخدمة في عمليه تحويل أسماء المواقع إلي العناوين الرقمية, مثل نظم التشغيل وأنواع البرامج والتطبيقات المستخدمة علي هذه الحاسبات وغيرها.بمرور الوقت نشأت الحاجة إلي كيان موحد يكون مسئولا عن تنسيق الوظائف الأربع الأساسية التي تقوم بها منظمات الدعم السابقة, بالإضافة إلي ضم اكبر عدد من المتخصصين والخبراء والعلماء في مجال الإنترنت بالمجتمعات الأكاديمية ومجتمعات الأعمال والمستخدمين من مختلف دول العالم أجمع, بما يشكل منتدي عالمي يناقش جميع القضايا المتعلقة بالإنترنت وينسق بين الآراء والأفكار المختلفة, ويضع الرؤي التي يهتدي بها الجميع في تعاملهم مع الشبكة, وفي أكتوبر1998 اقترحت وزارة التجارة الأمريكية تشكيل هذا الكيان تحت اسم آيكان أو مؤسسة الإنترنت لتنظيم الأسماء والأرقام, كمؤسسة قطاع خاص لا تهدف إلي الربح, يكون مقرها لوس انجلوس بالولايات المتحدة, وتتولي مهام المؤسسات الثلاث السابقة التي أطلق عليها في ذلك الوقت المؤسسات الداعمة للآيكان, ومنذ ذلك الوقت أصبحت مؤسسة الآيكان المسئولة عمليا عن عمليات الإدارة اليومية للإنترنت عالميا.تم توقيع اتفاقية بين وزارة التجارة الأمريكية ومؤسسة الآيكان جري بموجبه تحديد اختصاصات الآيكان ودورها تحت إشراف وزارة التجارة وأصبح هو الإطار القانوني الأبرز في مجال إدارة الإنترنت علي المستوي الدولي, ووفقا لهذا الإطار احتفظت الحكومة الأمريكية بالدور المهيمن أو الساحق في إدارة الإنترنت والآيكان الواجهة التنفيذية, ويجري تجديد هذا الاتفاق كل سنتين بين الآيكان ووزارة التجارة وتعديله حسبما تقتضي الظروف وطوال هذه السنوات كان يتم مراجعة الاتفاقية ثم تتخذ وزارة التجارة الأمريكية ـ أو بالأحري الحكومة الأمريكية ـ قرارا بتجديد الاتفاق وإبقاء الوضع كما هو عليه جوهريا مع بعض التغييرات الطفيفة, لتستمر في دورها المهيمن علي إدارة الشبكة, فماذا حدث بعد ذلك؟....
إلي الأسبوع المقبل...
جمال محمد غيطاس
..................
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق