حقوق الوطن .. وحقوق الأنسان .

حقوق الوطن .. وحقوق الأنسان .

الجمعة، 16 مارس 2012

التركين .. والفنانين !!




التركيــن ... والفنانيــن !!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهلى وناسى وأصدقائى الأعزاء ..

المقال ده مخصوص للمنتديات النوبية والسودانية أكثر لأنه يتعلق بموروث شعبى عريق ووجبة نوبية سودانية أصيلة لا أظن أن أحدا غيرنا يأكلها .. أو يفكر حتى أن يأكلها !! وهـــــــــــــــى ( التركيــن ) ... وأكيد بتسألوا نفسكم ماهى العلاقة بين التركين .. والفنانين !! .. أقولكم : الأخت الفاضلــة و الصديقة العزيزة ( منى كبارة ) من منتدى صوت النوبة .. وهى فنانة عظيمة ترسم على الخشب والزجاج والقماش وهى أيضا أديبة ر ائعة .. وكنا بنتكلم عبر المنتدى عن الرسم والفنون .. فذكرتنى هذه المناقشة بحادثة طريفة حدثت معى أيام الشباب .. عندما أسترجعتها فى ذهنى قررت أن أحكيها لكم لطرافتها .. والحكاية أن لى صديق طفولة جار لى هو الدكتور حازم عويس وهو عميد كلية الفنون الجميلة بالأسكندرية الآن ـــ على ماأعتقد ــ.. ووالده هو الفنان التشكيلى العظيم الدكتور حامد عويس وكان أيضا عميد كلية الفنون الجميلة الأسبق .. وهم جيران لى بحى محرم بك العريق بالإسكندرية .. مع الفارق طبعا فحازم يسكن مع والديه فيلا فخمة بجراج خاص .. به سيارة مرسيدس ــ وقت أن كان عدد السيارات المرسيدس بمصر يعد على أصابع اليدين ــ .. وسيارة أخرى لأستخدام الدكتورة والدة حازم عويس وكانت أستاذة جامعية مرموقة .. وكنت أنا أقيم فى شقة متواضعة مجاورة لفيلتهم الفخمة ( ومازلت أحتفظ بهذا المسكن ) .. ومع أختلاف المستوى المعيشى الواضح إلا أننا جيران وأصدقاءء طفولة وصبا وشباب .. المهم أننا فى السنة الأخيرة بالجامعة قابلنى حازم فى كافتيريا ( عينو) بشارع صفية زغلول بالأسكندرية .. ( كانت أمام محلا ت المختار للنظارات و تم هدمها الآن ) والكلام ده فى السبعينات .. وكنا نذهب لهذه الكافتيريا لنلعب البلياردو مع شلة الأصدقاء .. ( وقت أن كان البلياردو لعبة الباشوات والبهوات ، والصعاليك ممن يسعدهم الحظ بصداقة هؤلاء ــ مثلى أنا وقتها ــ ) وكانوا يسمونها ( قهوة البلياردو ) وبعد أن أنتهينا من اللعب سألنى حازم عن وجهتى .. فقلت له أنا رايح أتغدى عند حماتى.. ( كنت فى فترة الخطوبة وقتها ) ودعوته للغداء معى فسألنى بأستغراب ـــ أبناء الذوات المأصلين ـــ وهل توافق حماتك على دعوة أى شخص دون سابق ترتيب ودون دعوة مسبقة منها ؟ .. فقلت له يابنى أيه العقُد اللى أنت فيها دى !! أحنا نوبيين بسطاء وهذه الأمور مش فى حسابنا إطلاقا .. ثم أن حماتى يطلقون عليها أم الشباب .. لأن منزلها مفتوح ليلا ونهارا لأصدقاء أولادها وبناتها دون تفرقة أو تمييز .. ويظهر أننى أثرت فضوله فوافق على الدعوة .. وحماتى ــ رحمها الله ـ كانت سيدة نوبية عظيمة وهى واحدة من أكثر من أحببت وأحترمت فى حياتى .. وكانت تقيم فى منزل متواضع ـ بشارع الخازن ـ بمحطة مصر بالأسكندرية .. وذهبنا إلى منزلها العامر وأستقبلتنا كعادتها ببشاشة وحبور وكرم نوبى أصيل .. فقلت لها أن حازم صديقى وجاى يتغدى معايا .. فصرخت ( ياجيرســـا !! ) فسألتها فيه أيه يايوى مالك مخضوضة كده ؟ فقالت أنه لايوجد غداء جاهز الآن .. ولكنى سأذبح بسرعة فرختين لغداءكما .. فقلت لها لايوجد لدينا وقت للأنتظار وهاتى أى حاجة عندك .. وحازم مش غريب يايوى .. فقالت خلاص عندى بلاص تركين لسة مافتحتوش .. تركين يانهار أبيض !! ده أنا نفسى فيه .. وهو عشقى الدائم وعلى أستعداد لأن آكل تركين 3 وجبات يوميا .. فتساءل حازم فى براءة أيه ( التراكين ) دى ؟ فقلت له أشهى وجبة ممكن تأكلها فى حياتك .. وأنت أكيد أكيد ماكلتهاش قبل كده !! .. ولمن لايعرف التركين لا زم أوصفه ( التركين هو سمك بورى ، أو بلطى ، أو غيره يتم تنظيفه جيدا جدا ،جدا ثم يملح بمهارة مطلوية ، ويوضع فى بلاص فخار ، ويوضع معه بهارات ، وشطة سودانى ، وأملاح ، وكرفس ، وفلفل أخضر حامى مطحون ، وطماطم طازجة مصححة ، وزعتر ، ويتم إغلاق البلاص إغلاقا محكما جدا ، بحيث لا يدخله أى سرسوب هواء .. ويوضع البلاص فى مكان دافى نوعا ما .. وعادة مايكون على سطح منازلنا فى أسوان أو المهجر ، وننساه لمدة سنة ، أو أتنين ، أو تلاتة ، أو أربعة.. وأنت وشطارتك فيختلط المحتوى كله ، ويدوب فى بعضه لدرجة أنك حين تفتح القنبلة ــ آسف ــ قصدى البلاص تجد الخليط عبارة عن مياة ثقيلة شوية ، وسودة .. وتشبه بالضبط .. بالضبط .. أى شوية تراب مخلوط بمياه وسخة من أى حارة فى يوم شتائى ممطر .. يعنى من الآخر (( زبط .. زبط )) وشوفوا بقى صاحبى أبن الذوات ، لما ياكل زبط ..المهم أن حماتى العزيزة ــ رحمها الله ــ أرسلت أحد الأطفال لشراء عيش بلدى ملدن وسخن من الفرن اللى جنب البغدادى بتاع الفلافل .. وحطت لنا طبق تركين شهى .. ومعاه حزمة بصل أخضر متنضف وجاهز ..و ماتقولش لعدوك بقى !! .. طبعا صديقى العزيز حازم توجس خيفة وأصيب بهلع من شكل التركين !! فقلت له سيبك من الشكل !! المهم المضمون !! ومد أيدك ودوق لقمة واحدة .. ولو ماعجبكش أجيب لك حاجة تانية فرفض بشدة .. وأصريت على أن يدوق فقط .. وفعلا مد أيده بلقمة صغيرة جدا ..ووضعها فى فمه بخوف ورعب شديدين .. فعجبته جدا لأن التركين حرش .. ومحبش طبعا بالشطة .. والبهارات ، وخلطة حماتى السرية .. وفوق ده كله بقاله سنتين فى البلاص فأنصهر وداب كل مافيه فى بوتقة واحدة وأصبح صعبا أن تعرف مكونات هذه الوجبة الشهية الرائعة !! .. أو الخلطة الغريبة !! ويظهر أن صاحبى كان جعان قوى !! .. والعيش السخن مغرى .. فنزل حتتك بتتك على التركين .. وخلصنا الطبق .. وفرحت حماتى جدا .. وتأكدت من إتقانها للصنعة .. والوجبة التاريخية !! وأحضرت الطبق التانى .. وزودت شوية بصل أخضر جنبهم لأننا خلصنا الحزمة الأولى .. وأمتلئت بطوننا لآخرها .. وحمدنا الله .. وحبسنا بكباية شاى معتبرة .. وشعرنا بسكرة التركين فى دماغنا .. وعلّمت فى نافوخنا علامة ماتتنسيش !! ونزلنا من عند حماتى وصديقى يشكرها بعمق ومن قلبه .. ولغاية هنا كويس ومافيش أى مشكلة .. المشكلة فى المساء بقى !!

فقد كنت أذهب لنادى دابود فى شارع الليثى بالعطارين ( كان لسه جمعية ) لممارسة بعض الأنشطة الثقافية .. والونسة مع الأهل والأصدقاء .. ففوجئت بأحد الأشخاص يخبرنى أن فيه ناس هاى لايف قوى عايزينك تحت !! .. ناس هاى لايف وقوى كمان !! مين يابنى ؟ أنا ماأعرفش ناس هاى !! .. قاللى مش عارف بس دول راكبين عربية كبيرة وسدة الشارع ! وعايزينك ضرورى !! فنزلت بسرعة ..والفار نازل طالع فى عبّى .. فوجدت الدكتور حامد عويس شخصيا ( والد صديقى حازم .. وهو شخصية حازمة وقوية وله هيبة كده ) .. وبجواره فى العربية شخص لا أعرفه .. بينى وبينكم أنا خفت !! .. فبادرنى الدكتور حازم صارخا أنت فين ؟ أحنا بقالنا ساعتين بندور على جمعية ( دبور !! ) دى بعد ماأخدنا العنوان من جمال .. وجمال ده صديق مشترك لى ولحازم وهو من المالكى .. فقلت له ( دابود ياأونكل ) ..فصر خ فى وجهى دابود .,. دابور .. نحلة .. مش دى المشكلة دلوقت !! فتساءلت ببراءة : خير ياأونكل !! فشخط بصوت جهورى : لا أونكل ولا زفت .. هو حازم أتغدى معاك النهاردة ؟ .. قلت له مرتعبا ( أيوه ياأونكل ) والشيطان يوسوس لى أن حازم مات .. وأبوه جاى يأخذنى للبوليس .. وحايعدمونى!! .. قال أنت أكلته أيه ؟ فقلت ببراءة أيضا ( تركين ياأونكل ) فصرخ أيه (زفت الطين ده ؟ ) .. ده بيقول أنك أكلته ( زبط وطين من الشارع !! ) .. فقلت له لأ ياأونكل دى أكله نوبية عبارة عن .. ولم أكمل كلامى .. لأنه نهرنى بصوته الجهورى قائلا ماتحكيليش حكاية !! .. أوصف الأكلة دى للدكتور !! .. وعرفت ساعتها أن الباشا الجالس بجانبه هو دكتور العائلة ليعرف ماهو بالضبط ( الزبط والطين ) اللى أكله حازم .. فشرحت للدكتور أن دى أكلة نوبية مكونة من أسماك البورى وممكن أسماك أخرى يتم تنظيفها جيدا ونزع جلودها وأشواكها ورؤوسها .. ويضاف اليها خليط من البهارات وخلافة ويتم وضعها فى بلاليص محكمة الغلق لمنع دخول الهواء لمدد طويلة للتمليح .. ثم يتم أستخراجها وأكلها بعد سنة أو أثنين أو ثلاثة وأنت وظروفك بقى !! فقال لى فسيخ يعنى ؟ فقلت له نعم حاجة زى كده !! فضحك .. وقال لأونكل حامد خلاص يادكتور الحكاية بسيطة .. ولكنها لم تكن بسيطة فقد نظر إلى الدكتور حامد شذرا وقال أوعى أشوف وشك تانى !! ولا تتكلم مع حازم أبدا .. ولا لك به أى علاقة من قريب أو بعيد !! فاهم .. ؟ طبعا فاهم ياأونكل .. وفعلا مشى أونكل بسيارته مع طبيب العائلة .. وأكتشفت أن حازم أصيب بألم حاد فى أمعائة .. وسألته الدكتورة والدته ( تانت يعنى ) أنت أكلت أيه فقال لها أكلت ( طين وزبط ) مع صلاح إدريس عند حماته ووصف لها ماأكله بكل تفاصيله اللى أنتم عارفينها ( وياريت حد يخترع حاجة تغير شكل التركين اللى فاضحنا ده ياأخوانا !! ) رغم طعمه الرائع ) المهم أن .. ( تانت ) صعقت !! من الوصف طبعا .. وأتصلت فورا (بأونكل حامد ) .. اللى جه جرى .. ولما عرف حكاية ( الزبط والطين ) أستدعى فورا دكتور العائلة .. ثم توالت الأحداث كما حكيتها لكم .. وقد نفذت وعدى ( لأونكل ) ولم أحاول أن أرى حازم أو أتحدث اليه .. رغم محاولته هو ذلك ليعتذر .. ولكنى فضلت الأبتعاد عن المشاكل .. ولم يحصل بيننا أى لقاء إلا بعد هذه الواقعة بعام كامل .. وبعد تخرجنا بشهرين تلاتة .. قررت الزواج .. وفى يوم الحنة بتاعتى .. مع مجموعة أصدقائى من ( الجربتية) أصدقاء الجامعة والبلياردو والجيران .. وقد قام حازم بالأعتذار بطريقة رسمية بأن قام بزفافى بسيارة ( أونكل ) المرسيدس ( وكانت أول مرة أركب مرسيدس فى حياتى ) .. والغريبة أننى فى ليلة زفافى هذه تلقيت بوكيها ضخما من الورود الجميلة مهداة من ( أونكل وتانت شخصيا ).. والأغرب أن حازم طلب وجبة كبيرة من التركين لأنه أستطاع إثارة فضول ( أونكل وتانت ) بالوصف التفصيلى للشكل والمضمون للتركين وللنكهة المميزة له .. فطلبوا منه أن يحضر لهما شوية كده علشان يدوقوه !! وقبل مايدوقوه يشوفوه ويتفرجوا عليه .. وأشترطوا عليه ألا يقول لى أنهما اللى طالبينه !! ) .. وفرحت حماتى جدا لهذا الطلب لأنها كانت متابعة كل الأحداث مكتفيه بتعليق واحد هو ( رماد فالهم !! ) المهم إنها أعطتنى برطمانا ضخما من بتوع المخلل !! يعنى تقريبا نص بلاص !! وسلمته لحازم .. وفوجئت تانى يوم ( بتانت ) بتتصل بى فى البيت ، وتشكرنى على الهدية الجميلة وعندما سألتها عن رأى ( أونكل ) .. أجابت أنه أعجب به جدا لدرجة أنه لأول مرة منذ 20 عاما يأكل ثلاثة أرغفة كاملة !! ولكنه أصر قبل الأكل أن يأمنوا نفسهم بكل أدوية المعدة وختموها بــ ( شراب أسمه موكايين تقريبا ) وهو سائل يبطن جدار المعدة ويجعلها قادرة على بلع ماء النار دون ضرر !! مش مهم آهو بالهنا والشفا علي قلوبهم .. المهم أننى شعرت بزهوة الأنتصار لعزيز غالى جدا علينا بعد أن تمت إدانته ظلما من الجربتيه الأعزاء !! عرفتم بقى أيه العلاقة بين التركين .. والفنـانين !! .

بقلـــــم

صــلاح إدريـــــس

مدون بالبلــدى الفصيـــــح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق